ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

117

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

المدائني أنه لما نزلت سورة : عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ « 1 » قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما للّه نبأ أعظم من علي » ، ومهما شك فيه أحد فإنه لا شك يعترض في أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما ، ولم يقل صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : سيدا شبابها لوجود كهول فيها ، فيكون ذلك تمييزا ، وإنما قاله وصفا ، إذا كان أهلها كلهم شبابا ، حسب ما روي عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : لا يدخلها العجز ، وقال : إن أهلها شباب كلهم ، ولم يقل ذلك في الحسن والحسين عليهما السّلام ، وأيضا لا يموتان شابين إذا كانا قد بقيا كهلا وشابا فعلم بهذا أنه فضلهما على جميع أهل الجنة سوى أبيهما لقوله : أبوهما خير منهما ، وإنما لم يستثن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نفسه لأنه المفضل ، ومن شأن المفضل أن لا يدخل في جملة من فضل ، فخير أهل الجنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بما ثبت من كونه خير خلق اللّه ، وأمير المؤمنين والحسن والحسين ( صلوات اللّه عليهم أجمعين ) وهم بهذا الخبر المجمع عليه أكثر في الآخرة ثوابا ونعيما من جميع العالمين . ولقد وضعت العامة حديثا بإزاء هذا الحديث تضحك منه الثكلى ، وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة ، فهذا غير صحيح بما أثبتناه من أن الجنة ليس فيها كهول ، وإنما وضع المخالفون هذا الخبر ليقابلوا به خبر الحسن والحسين عليهما السّلام الذي لا يمكنهم رفعه ولا تأويله ، وهذه عادة منهم جارية في فضائل أهل البيت عليهما السّلام ، وهي أن يدفعوا منها ما قدروا على دفعه ، فإن عجزوا عن دفعه لظهوره وانتشاره تأولوه بما يصرفوه على غير مقتضاه ، فإن لم يقدروا على ذلك افتعلوا خبرا يقابلوه به . وروت الثقات عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : لما بات علي عليه السّلام على الفراش أوحى اللّه إلى ملكين من ملائكته لم يكن في الملائكة أشد ائتلافا ومؤاخاة منهما فقال : اني مميت أحدكما فاختارا أيكما يؤثر صاحبه بالبقاء ، فتدافعا الموت بينهما وآثر كل منهما البقاء لنفسه ، فأوحى اللّه إليهما : أين أنتما عن عبدي الراضي بالموت الذي بات على فراش ابن عمه يقيه الردى بنفسه ؟ أما إني قد علمت من سريرته أن تلف نفسه أحب إليه من أن يؤخذ شعرة من شعر ابن عمّه ، انزلا إليه وأكلآه إلى الصبح . هنالك قالت الملائكة : هنيئا لك يا بن أبي طالب ، فأنت الحبيب المواسي . وفي مبيته على الفراش أنزل اللّه ( سبحانه ) : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ « 2 »

--> ( 1 ) - النبأ : 1 - 2 . ( 2 ) - البقرة : 207 .